الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
113
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقولهم : إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ يدل على أنهم استشعروا من كلامه ثم من ملامحه ثم من تفهم قول أبيهم لهم : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ إذ قد اتضح لهم المعنى التعريضي من كلامه فعرفوا أنه يتكلم مريدا نفسه . وتأكيد الجملة بأن ولام الابتداء وضمير الفصل لشدة تحققهم أنه يوسف - عليه السّلام - . وأدخل الاستفهام التقريري على الجملة المؤكّدة لأنهم تطلبوا تأييده لعلمهم به . وقرأ ابن كثير إِنَّكَ بغير استفهام على الخبرية ، والمراد لازم فائدة الخبر ، أي عرفناك ، ألا ترى أن جوابه ب أَنَا يُوسُفُ مجرد عن التأكيد لأنهم كانوا متحققين ذلك فلم يبق إلا تأييده لذلك . وقوله : وَهذا أَخِي خبر مستعمل في التعجيب من جمع اللّه بينهما بعد طول الفرقة ، فجملة قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بيان للمقصود من جملة وَهذا أَخِي . وجملة إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ تعليل لجملة مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا . فيوسف عليه السّلام اتّقى اللّه وصبر وبنيامين صبر ولم يعص اللّه فكان تقيا . أراد يوسف عليه السّلام تعليمهم وسائل التعرض إلى نعم اللّه تعالى ، وحثهم على التقوى والتخلق بالصبر تعريضا بأنهم لم يتقوا اللّه فيه وفي أخيه ولم يصبروا على إيثار أبيهم إياهما عليهم . وهذا من أفانين الخطابة أن يغتنم الواعظ الفرصة لإلقاء الموعظة ، وهي فرصة تأثر السامع وانفعاله وظهور شواهد صدق الواعظ في موعظته . وذكر المحسنين وضع للظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال : فإن اللّه لا يضيع أجرهم . فعدل عنه إلى المحسنين للدلالة على أن ذلك من الإحسان ، وللتعميم في الحكم ليكون كالتذييل ، ويدخل في عمومه هو وأخوه . ثم إن هذا في مقام التحدث بالنعمة وإظهار الموعظة سائغ للأنبياء لأنه من التبليغ كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إنّي لأتقاكم للّه وأعلمكم به » . والإيثار : التفضيل بالعطاء . وصيغة اليمين مستعملة في لازم الفائدة ، وهي علمهم ويقينهم بأن ما ناله هو تفضيل من اللّه وأنهم عرفوا مرتبته ، وليس المقصود إفادة تحصيل ذلك لأن يوسف عليه السّلام يعلمه . والمراد : الإيثار في الدنيا بما أعطاه اللّه من النعم .